ابن قيم الجوزية
199
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الْمُرْسَلِينَ وقوله 63 : 2 وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وقوله 48 : 29 مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . فهذا كله شهادة منه لرسوله . قد أظهرها وبينها ، وبين صحتها غاية البيان ، بحيث قطع العذر بينه وبين عباده . وأقام الحجة عليهم . فكونه سبحانه شاهدا لرسوله معلوم بسائر أنواع الأدلة : عقليّها ، ونقليّها ، وفطريها ، وضروريها ، ونظريها . ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن اللّه سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة وأعدلها وأظهرها ، وصدقه بسائر التصديق : بقوله الذي أقام به البراهين على صدقه فيه ، وبفعله وإقراره ، وبما فطر عليه عباده ، من الإقرار بكماله ، وتنزيهه عن القبائح ، وعما لا يليق به . وكل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة ، ويزيل به العذر ، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة ، والظفر والتأييد . ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به من الخزي والنكال ، والعقوبات المعجلة ، الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة 48 : 28 هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فيظهره ظهورين : ظهورا بالحجة والبيان والدلالة ، وظهورا بالنظر والغلبة والتأييد ، حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصورا . وقوله 4 : 166 لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ، وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ فما فيه من الخبر عن علم اللّه الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشهادة بأنه هو الذي أنزله ، كما قال في الآية الأخرى 11 : 13 : 14 أَمْ يَقُولُونَ : افْتَراهُ . قُلْ : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ . وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ، وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله ، وأنه معلوم له ، كما يعلم سائر